بين قدسية الشعائر وسوق المزايدات السياسية



في كل عام، ومع اقتراب موسم الحج، تعود بعض الأصوات لتستغل هذه الشعيرة العظيمة في تصفية الحسابات السياسية أو تسجيل المواقف الإعلامية الرخيصة، وكأن الحج لم يعد ركناً من أركان الإسلام، بل مادة للجدل والاصطفاف وإثارة الجماهير.

المؤسف أن بعض من يتصدرون المشهد الإعلامي اليوم لا يتعاملون مع الحج بصفته عبادة مقدسة تجمع المسلمين على اختلاف توجهاتهم، بل يوظفونه لخدمة أجندات ضيقة أو خصومات شخصية. والأخطر من ذلك أن الخطاب في كثير من الأحيان لا يكون قائماً على نقد موضوعي أو حجة متماسكة، وإنما على انفعالات سطحية ومحاولات لاستدرار التصفيق من جمهور متعطش للخصومة أكثر من الحقيقة.

حتى المنصفون من المختلفين سياسياً مع المملكة العربية السعودية يدركون أن إدارة الحج مسؤولية هائلة ومعقدة، وأن ما يُبذل من تنظيم وخدمات وأمن واستيعاب لملايين البشر خلال أيام معدودة أمر يستحق التقدير الإنساني قبل السياسي. فبحسب الإحصاءات الرسمية لموسم حج 1446هـ / 2025م، بلغ عدد الحجاج أكثر من 1.67 مليون حاج من مختلف أنحاء العالم، بينهم أكثر من 1.5 مليون حاج قدموا من خارج المملكة عبر المنافذ الجوية والبرية والبحرية المختلفة.

ولخدمة هذا العدد الضخم، شارك أكثر من 420 ألف موظف وعامل من مختلف القطاعات، بما فيها القطاعات الأمنية والصحية والخدمية، إضافة إلى أكثر من 34 ألف متطوع قدموا ما يزيد على مليوني ساعة تطوعية لخدمة ضيوف الرحمن.

كما استفاد أكثر من 314 ألف حاج من مبادرة “طريق مكة”، التي تهدف إلى إنهاء إجراءات السفر والجوازات في بلدان الحجاج قبل وصولهم إلى المملكة، مما يختصر الوقت ويخفف الازدحام ويُسهّل تجربة الحج بشكل كبير.

وفي جانب النقل والتنظيم، نفذت الجهات المختصة ما يقارب 12 ألف رحلة تجريبية لقطار المشاعر المقدسة قبل بدء الموسم، إضافة إلى عمليات محاكاة واسعة لضمان السلامة والانسيابية في تنقل ملايين الحجاج بين المشاعر.

هذه الأرقام لا تعني الكمال المطلق، فكل عمل بشري قابل للنقد والتطوير، لكنها تؤكد حجم الجهد المبذول، وتُظهر الفارق بين النقد المسؤول وبين الخطاب الشعبوي الذي يتجاهل الحقائق خدمةً للأهواء السياسية.

لقد تحولت بعض المنصات إلى ساحات للمبالغات والشعارات، حيث يخرج أشخاص مثل عبد الله الشريف ومحمود الحسنات بخطابات تفتقر إلى الاتزان، وتتعامل مع شعيرة الحج وكأنها فرصة لتصفية الأحقاد القديمة أو تحقيق المكاسب الجماهيرية. والمشكلة ليست في الاختلاف السياسي بحد ذاته، فهذا أمر طبيعي، وإنما في تحويل المقدسات إلى أدوات تعبئة واستثمار عاطفي.

إن احترام شعائر الدين يجب أن يبقى فوق الاستقطاب، لأن تسييس المقدسات لا يخدم إلا الفوضى ويزرع الانقسام بين المسلمين. ومن حق أي إنسان أن يختلف سياسياً مع أي دولة أو حكومة، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل ركنًا من أركان الإسلام إلى مادة للسخرية أو منصة للثأر الإعلامي.

في النهاية، يبقى الحج أكبر من الأشخاص، وأقدس من الحملات الموسمية، وأسمى من أن يُختزل في مقاطع انفعالية أو خطابات شعبوية تبحث عن المشاهدات والتفاعل.