هل اليمن مقدمة على جولة من الصراع؟ ومن المستفيد الأول والأكبر من عودة الحرب والتي قد تكون هذه المرة أشد من سابقاتها؟ ولماذا يسعى الحوثي إلى الحرب رغم تعاظم فرص السلام في ظل ما تشهده المنطقة والعالم من تطورات فالجميع ينشد السلام إلا الحوثي.
في حقيقة الأمر، وكمها هو ملاحظ، كلما اشتدت الضغوط داخل مناطق سيطرة الحوثي ارتفع مستوى التهديدات الفارغة، وتصاعد الخطاب العسكري، وتكاثرت الادعاءات عن انتصارات أو مواجهات جديدة، ولا جديد فذلك فقد بات معلوما للجميع هذا النم الذي يؤكد أن المشكلة ليست في حدث بعينه، وإنما في الطريقة التي يدير بها الحوثي أزماته ومحاولته بتصديرها باتجاه الخارج.
أول ما يلفت الانتباه في التصريحات التي صدرت عن المليشيا خلال الأربع والعشرين ساعة الأخيرة هو توقيت هذا التصعيد. ففي الوقت الذي يعيش فيه ملايين اليمنيين أوضاعًا معيشية متدهورة، وانقطاعًا للرواتب، وتراجعًا للخدمات الأساسية، تتجه الجماعة إلى إنتاج روايات جديدة عن جولة جديدة من الحرب، في محاولة لإعادة تشكيل الرأي العام وإبعاد الأنظار عن إخفاقاتها في إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها.
ولا يقتصر الأمر على الهروب من الأزمات الداخلية، بل يتجاوزه إلى توظيف اليمن في مشروع إقليمي أوسع. فالحوثي لا يتعامل مع اليمن باعتباره دولة ذات مصالح وطنية مستقلة، وإنما باعتباره ساحة ضمن مشروع تقوده إيران، وهو ما يفسر استمرار الحوثي في تبني سياسات ومغامرات يدفع اليمنيون وحدهم ثمنها، بينما تتراجع فرص الاستقرار والتنمية.
وقد كانت نتائج هذا النهج باهظة على اليمن. فالموانئ والمطارات والبنية التحتية والمنشآت الاقتصادية تعرضت لخسائر جسيمة، وتضررت حركة التجارة والاستثمار، وتعمقت الأزمة الإنسانية، في حين بقي المواطن اليمني هو الخاسر الأكبر من سياسات لا تراعي مصالحه ولا مستقبله.
ولم يقتصر أثر سياسات الحوثي على إطالة أمد الحرب، بل امتد إلى تفكيك مقومات الدولة نفسها، فقد تعرضت البنية التحتية لخسائر واسعة نتيجة الزج باليمن في صراعات متكررة، واستُخدمت المنشآت المدنية والموانئ والمطارات في أنشطة عسكرية أفضت إلى تراجع قدرتها على أداء دورها الاقتصادي والخدمي. كما تعرض قطاع التعليم لتدهور غير مسبوق، من خلال تغيير المناهج لأغراض أيديولوجية، واستقطاب الأطفال إلى الجبهات والمراكز التعبوية، وحرمان مئات الآلاف من الطلاب من بيئة تعليمية مستقرة.
وفي الجانب الاقتصادي، ساهمت سياسات الحوثي في تعميق الانهيار عبر تعطيل مؤسسات الدولة، وفرض الجبايات والإتاوات على المواطنين والقطاع الخاص، وإضعاف النشاط التجاري والاستثماري، وهو ما أدى إلى تراجع فرص العمل واتساع رقعة الفقر. كما واجهت المنظمات الإنسانية قيودًا وتدخلات مستمرة في عملها، شملت فرض الرسوم، والتدخل في توزيع المساعدات وسرقتها تارة، ومحاولات توجيهها بما يخدم مصالح المليشيا تارة اخرى، الأمر الذي أضعف فاعلية العمل الإنساني وأضر بالمستفيدين. وإلى جانب ذلك، ترسخت مظاهر الفساد المالي والإداري، وأصبحت المحسوبية والولاءات معيارًا في إدارة المؤسسات العامة، بينما تراجعت مبادئ الكفاءة والمساءلة وسيادة القانون، وهو ما عمّق أزمة الدولة وأفقد المواطنين الثقة بمؤسساتها.
لقد اصبحت مليشيا الحوثي وتحديدا قيادتها متخمة بالثراء غير المشروع في ظل الحرب، ولذلك نراها اليوم وهي تحاول بكل الطرق الذهاب لجولة جديدة من الحرب رغم أن الظروف باتت مهيئة أكثر من اي وقت مضى للسلام، لكن وكما أثبتت السنوات الماضية فإن المشكلة لم تكن يومًا في غياب مبادرات السلام. فقد طُرحت مبادرات إقليمية ودولية متعددة، وحظيت بدعم الحكومة اليمنية والأطراف الراعية، إلا أن الحوثي تعامل معها باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب صفوفه وتعزيز قدراته لا بوصفها طريقًا لإنهاء الحرب. وهذا ما يفسر تعثر معظم جهود التسوية.
وفي المقابل، لا يمكن فصل هذا السلوك عن تأثيره في أمن المنطقة. فاستهداف الملاحة الدولية، وتهديد خطوط التجارة، وافتعال الأزمات مع دول الجوار، كلها ممارسات تجاوزت الإطار اليمني، وأصبحت تمس الأمن الإقليمي والدولي بصورة مباشرة، وهو ما يجعل التعامل معها مسؤولية تتجاوز حدود اليمن.
إن فهم طبيعة المشروع الحوثي هو المدخل الحقيقي لبناء سياسة أكثر فاعلية في مواجهته. فالتعامل مع الجماعة بوصفها طرفًا سياسيًا تقليديًا أثبت محدوديته، بينما تشير الوقائع إلى أنها تتعامل مع الصراع باعتباره وسيلة دائمة لترسيخ نفوذها، لا أزمة تبحث عن حل لها.
ولهذا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب مقاربة مختلفة، تجمع بين الأدوات السياسية والقانونية والدبلوماسية والاقتصادية، مع استمرار دعم مؤسسات الدولة اليمنية وتعزيز قدرتها على استعادة سيادتها. فاستقرار اليمن لن يتحقق بمجرد وقف إطلاق النار، بل بإنهاء الأسباب التي تجعل الحرب خيارًا دائمًا لدى الجماعة، وإعادة بناء الدولة على أساس المصلحة الوطنية بعيدًا عن مشاريع الهيمنة الخارجية.