في زمن تختلط فيه الحقائق بالدعاية وتعلو فيه أصوات التضليل جاءت رسالة دولة رئيس الوزراء الدكتور شائع الزنداني لتعيد ترتيب المشهد أمام اليمنيين وتقدم رواية الدولة القائمة على الحقائق والوقائع لا على الشعارات والمزايدات
لم يكن الخطاب مجرد بيان سياسي بل وثيقة وطنية كشفت للرأي العام كيف تعاملت الحكومة اليمنية طوال السنوات الماضية مع ملف السلام بمسؤولية عالية وكيف قدمت التنازلات الممكنة لإنهاء الحرب وتخفيف معاناة المواطنين بينما كانت مليشيا الحوثي في كل محطة تتهرب من السلام وتختار التصعيد خدمة لمشروع لا يمت بصلة إلى مصالح اليمن واليمنيين
أبرز ما ميز الخطاب أنه نسف كثيرا من الروايات التي روجت لها المليشيا وفي مقدمتها مزاعم الحصار حيث أكد بالأدلة أن مطار صنعاء ظل مفتوحا خلال فترات الهدنة وأن الرحلات الجوية استمرت وأن ميناء الحديدة ظل يستقبل الغذاء والدواء والمشتقات النفطية كما هو الحال في بقية الموانئ اليمنية وهو ما يؤكد أن المشكلة الحقيقية لم تكن في غياب الفرص وإنما في تعمد الحوثي استغلال معاناة المواطنين لتحقيق مكاسب سياسية وإعلامية
كما وضع رئيس الوزراء ملف الخطوط الجوية اليمنية أمام الشعب بكل شفافية موضحا أن الحكومة لم تدخر جهدا لإعادة الرحلات وتوفير البدائل المناسبة من خلال شراء أو استئجار طائرات جديدة أو التعاقد مع شركات أخرى مع الحفاظ على مكانة الناقل الوطني والتزامه بالقوانين الدولية غير أن الحوثيين رفضوا كل المقترحات لأن هدفهم كان فرض السيطرة على الشركة والاستحواذ على أموالها وإخضاعها لمشروعهم وهو ما كان سيعرضها للعقوبات ويهدد مستقبلها
وتكتسب الرسالة أهمية مضاعفة لأنها أوضحت أن الحكومة وافقت على خارطة الطريق التي رعتها المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان وقدمتها الأمم المتحدة بينما كان الحوثي هو الطرف الذي ماطل ثم انقلب عليها ليقحم اليمن في صراعات إقليمية دفع ثمنها المواطن البسيط وخسرت بسببها البلاد كثيرا من مقدراتها وبنيتها التحتية وفرصها في التعافي
لقد قدم الزنداني في رسالته نموذجا لخطاب الدولة المسؤول الذي يخاطب المواطن بعقله ويعتمد على الوقائع ويكشف أسباب استمرار الأزمة بعيدا عن المزايدات السياسية وهو خطاب يعزز الثقة بأن الحكومة لا تزال ترى في السلام خيارا استراتيجيا لكنها في الوقت نفسه ترفض أن يكون السلام غطاء لابتزاز الدولة أو مصادرة مؤسساتها أو إخضاعها لمشروع خارج إطار الشرعية والقانون
اليوم أصبحت الصورة أكثر وضوحا أمام اليمنيين فهناك من عمل ويعمل من أجل السلام واستعادة الدولة وتخفيف معاناة الناس وهناك من لا يرى في الحرب سوى وسيلة لإدامة نفوذه وتنفيذ أجندات خارجية على حساب حاضر اليمن ومستقبله
إن المرحلة الراهنة تتطلب وعيا وطنيا يميز بين الحقيقة والدعاية ويقف إلى جانب مشروع الدولة باعتباره الضمانة الوحيدة لاستعادة الأمن والاستقرار وبناء يمن يتسع لجميع أبنائه ويستعيد مكانته بين أشقائه ومحيطه العربي