في المراحل العادية يقاس اداء الحكومات بما تنجزه من مشاريع وخطط تنموية، أما في المراحل الاستثنائية المليئة بالتحديات فإن معيار النجاح الحقيقي يصبح القدرة على منع الانهيار، وإعادة بناء ما تهدم، واستعادة الثقة بالدولة ومؤسساتها. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى بداية التجربة لدولة رئيس الوزراء الدكتور شائع محسن الزنداني، الذي يقود الحكومة في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً وصعوبة في تاريخ البلاد.
تسلم الدكتور الزنداني مسؤولياته في ظل واقع اقتصادي مثقل بالأزمات، ومؤسسات حكومية أنهكتها سنوات الحرب، وإيرادات مستهدفة، وخدمات متراجعة، وتحديات سياسية وأمنية وإدارية متشابكة، الأمر الذي يجعل أي تقييم منصف لأدائه مرتبطاً بحجم الإرث الذي ورثه، لا بمجرد المقارنة النظرية مع ظروف أكثر استقراراً.
ومنذ الأيام الأولى، بدا واضحاً أن الرجل يتعامل مع رئاسة الحكومة باعتبارها مشروعاً لإعادة هندسة مؤسسات الدولة، وإطلاق مسار إصلاح اقتصادي وإداري يعيد للحكومة قدرتها على العمل، ويضع الأسس لمعالجة الاختلالات المتراكمة التي تراكمت عبر سنوات طويلة.
اللافت في شخصية الدكتور الزنداني أنه لا يعتمد على الخطاب الإعلامي بقدر ما يعتمد على العمل الهادئ والمتواصل. فهو من الشخصيات التي تؤمن بأن النتائج هي أفضل وسيلة للإقناع، ولذلك يركز على الملفات الجوهرية، ويتابع التفاصيل، ويحرص على تحويل الخطط إلى إجراءات عملية قابلة للتنفيذ.
ورغم أن عمر الحكومة لا يتجاوز اربعة أشهر، إلا أن ما تحقق خلالها يعكس وجود رؤية واضحة تتجاوز إدارة الأزمات اليومية إلى وضع أسس إصلاحية واستراتيجية طويلة المدى. فمنذ انطلاق أعمالها، حرصت حكومة الدكتور شائع الزنداني على ترسيخ مبدأ الشفافية المؤسسية، لتكون أول حكومة تعلن برنامج عملها بصورة واضحة للرأي العام، وتكشف عن موازنتها المالية، في خطوة تعكس توجهاً جديداً يقوم على المكاشفة وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطن، وإرساء قواعد الحوكمة الرشيدة والانضباط المالي.
وعلى الصعيد المعيشي والإداري، اتخذت الحكومة سلسلة من القرارات التي طال انتظارها، وفي مقدمتها اعتماد بدل غلاء معيشة بنسبة 20 ٪ تضاف إلى رواتب جميع موظفي الدولة، إلى جانب إطلاق العلاوات السنوية المستحقة لأربع سنوات، والشروع في تنفيذ التسويات والترقيات الوظيفية التي ظلت مجمدة لأكثر من 13 عاماً، فضلاً عن إطلاق خطوات عملية لمعالجة ظاهرة الازدواج الوظيفي وترشيد الإنفاق العام وتحسين كفاءة الجهاز الإداري للدولة، بما يعزز العدالة الوظيفية ويحسن من إدارة الموارد العامة.
ولأن التعافي الاقتصادي لا يتحقق بالمعالجات الآنية وحدها، بل يحتاج إلى إصلاحات هيكلية تبني الثقة وتستقطب الاستثمار، فقد اتجهت الحكومة إلى تعزيز منظومة الحوكمة والنزاهة عبر استكمال تشكيل اللجنة العليا للمناقصات، وإنشاء وحدة الشراكة بين القطاعين العام والخاص، باعتبارها إحدى الأدوات المهمة لجذب رؤوس الأموال الوطنية، وتهيئة بيئة استثمارية أكثر استقراراً، وبناء شراكة حقيقية مع القطاع الخاص، بما يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد، وخلق فرص العمل، ووضع اللبنات الأولى لمرحلة التعافي الاقتصادي
لا يمكن الحديث عن الدكتور الزنداني دون الإشارة إلى رصيده الطويل في العمل الدبلوماسي والسياسي، وهو رصيد منحه خبرة واسعة في إدارة الملفات المعقدة وبناء العلاقات والتفاوض وفهم توازنات المصالح الإقليمية والدولية. وقد أثبت في كل موقع او منصب تولاه قدرته على تحقيق نتائج ملموسة، الأمر الذي جعل كثيرين ينظرون إليه باعتباره من أكثر الشخصيات الإدارية والسياسية خبرة في المشهد اليمني.
أيضاً ما يميز الرجل انه مزيج نادر من الخبرة والانضباط والإصرار. فهو دؤوب في العمل، شديد المتابعة، لا يرضى بأنصاف الحلول، ولا يتوقف عند حدود تشخيص المشكلة، بل يبحث عن آليات معالجتها، ويعمل بصبر ومثابرة على تجاوز العقبات مهما كانت كبيرة.
ومن الإنصاف القول إن أي مشروع إصلاحي حقيقي في اليمن لا يمكن أن ينجح في ظل غياب الدعم السياسي والمؤسسي اللازم. فنجاح الحكومة ليس مسؤولية رئيس الوزراء وحده، وإنما هو مسؤولية جماعية تتطلب تكامل مؤسسات الدولة، وإسناد مجلس القيادة الرئاسي، وتعاون السلطات المحلية، ودعم القوى الوطنية، والوقوف خلف جهود الإصلاح بعيداً عن الحسابات الضيقة.
نجاح الحكومة في تقديم نموذج ايجابي لاسبما في ملفي الخدمات والاقتصاد يمكن ان يكون نقطة تحول استراتيجية ومهمة تحدد ملامح مستقبل اليمن لاسيما فيما يخص المعركة الوطنية ضد المليشيا الحوثية ما يجعل كل تحسن اقتصادي، وكل إصلاح مؤسسي، وكل خدمة تعود للمواطن، تسحب جزءاً من مبررات بقاء المليشيا الحوثية وتعزز ثقة اليمنيين بالدولة، وتخلق بيئة أكثر ملاءمة لاستعادة مؤسساتها على امتداد الجغرافيا اليمنية.
كما أن النجاح المأمول لحكومة الدكتور الزنداني يمكن ان يبعث برسالة أمل إلى المواطنين في صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بأن الدولة قادرة على تقديم بديل أفضل، وأن المستقبل الممكن لليمن هو مستقبل المؤسسات والقانون والتنمية، لا مستقبل المليشيات والحروب والاقتصاد المنهك وبذلك يمكن ان يختصر هذا النجاح نصف المعركة ضد المليشيا الحوثية بل انه يمكن أن يهيئ لثورة او انتفاضة تقتلع الحوثية ويستعيد اليمنيين مؤسسات الدولة وعاصمتهم المختطفة.
ويبقى الرهان الحقيقي اليوم على منح هذه الحكومة ما تحتاجه من دعم وإسناد، لأن نجاحها ليس مكسباً لشخص أو لحكومة بعينها، وإنما مكسب للدولة اليمنية ولليمنيين جميعاً. وفي ظل حجم التحديات الراهنة، فإن كل خطوة إصلاحية ناجحة، وكل مؤسسة تستعيد عافيتها، وكل إنجاز يتحقق على الأرض، يقرب اليمن من استعادة استقراره، ويختصر مسافة طويلة في معركته الوطنية.