على هضبةٍ مرتفعة في العاصمة صنعاء التقيتُ أحد أبرز المؤسسين لما عُرف بتنظيم "الشباب المؤمن" في صعدة، الذي تحوّل لاحقًا إلى جماعة مسلحَّة متمردة على الدولة باسم الحوثيين.
كان ذلك في نهارٍ مشحونٍ بالتحولات، فصعدة قد خرجت من سلطة الدولة، وجحافل الحوثيين تتوغَّل باتجاه عمران. وكان الحديث يدور حول صناعة القداسة لدى الزعامات الحوثية، كحسين الحوثي وشقيقه عبدالملك الحوثي، وقبلهما والدهما بدر الدين الحوثي.
قال محدّثي: إن حسين بدر الدين الحوثي نقل من إيران أسلوب تقديس القيادات، وكان يتعمّد ممارسة طقوس توهم أنصاره بأنه شخص استثنائي يمتلك امتيازًا روحيًّا خاصًّا، ويعتزل الناس أيامًا طويلة بحجة أن "السيد" مشغول بمهام كبرى لا يفهمها عامة الناس.
ومن الأمور الطريفة ــ كما رواها المتحدث ــ أنّ بعض أنصاره كانوا يذهبون إلى منزله لمقابلته، فيغيب عنهم أيامًا، ويبقون في انتظاره، ثم يخرج إليهم لاحقًا إلى الديوان المخصص للقاء، ويدخل برفقة مرافقيه، ويلقي السلام من غير أن يصافح أحدًا، ثم يستمع إليهم لوقت قصير ويغادر وسط جلبة وافتعال هيبة، ويتذرَّع مريدوه بأنه غارق في "مسيرته القرآنية"، بل إن بعض المتحمِّسين من أنصاره همسوا للحاضرين بأنه في "محرابه" لتلقِّي التعليمات الإلهية.
بعد مقتل حسين الحوثي، صعد عبدالملك الحوثي لزعامة الحركة بحكم الصدفة والقرب العائلي من والده بدر الدين، وبدأت قصة صناعة هالة جديدة وتصويره أنه لا يشبه بقية الناس لا في أفعاله ولا في تصرفاته.
ويتعمّد الحوثيون إخفاء عبدالملك عن الظهور المباشر ومقابلة الناس لإضفاء هيبة مصطنعة، وصناعة إحساس بأنه مشغول بقضايا الأمة الكبرى، وإبقائه في حالة غموض تمنحه صفة الزعيم الأسطوري لدى أتباعه.
وفي مرحلة سقوط صعدة، بدأت وفود سياسية بالتواصل لاستكشاف عقل الحوثيين ومدى جدِّيتهم في السلام. وقد حدثني أحد السياسيين الكبار أنه زار صعدة لمقابلة عبدالملك الحوثي، وأنه بقي أيامًا في الفندق ينتظر موعد اللقاء، حتى إن المبعوث الأممي حينها جمال بن عمر انتظر هو الآخر عدة أيام للحصول على موعد، وكل ذلك في إطار المسار الدعائي الذي يصنع هالة القداسة داخل فقاعة مغلقة.
وبعد سيطرة الحوثيين على صنعاء حشدوا عددًا من زعماء القبائل الموالين لهم، وجمعوهم في حافلات متجهة إلى صعدة بغرض لقاء زعيم الجماعة، وأبقوهم في الفنادق أيامًا، ثم أعادوهم إلى صنعاء دون مقابلته. فعبدالملك المنفوخ بزعامة الوهم مشغول بمهام كبرى ولا يليق به لقاء المشايخ حسب زعمهم. وبعدها جُمِعوا في قاعة بصنعاء للاستماع إلى كلمة مسجّلة ومبثوثة بواسطة الشاشة، معتبرين ذلك منّة وفضلًا لا يُضاهى.
ولا يقتصر الأمر على هذه الممارسات الاستعلائية بل هناك استراتيجية إعلامية وسياسية تستغل الغطاء الديني لتقديس القيادات وإضفاء الهالة. فعبدالملك الحوثي يُقدَّم بوصفه "ابن رسول الله" ووارث "النبوة"، وامتدادًا "لقيادة النبي"، ويتلقى إلهامًا خاصًّا. أما حسين الحوثي فيُصوّر بأنه "قرآن ناطق" والأقرب بالعين.
قد يظن بعض أتباع عبدالملك الحوثي أو الرافضين لمشروعه أن غيابه مرتبط بإجراءات أمنية، لكن الحقيقة أن الأمر يتجاوز ذلك، فهو نهج قائم في تجارب الزعامات الشيعية من إيران إلى لبنان والعراق واليمن، تُصنع فيه القداسة بواسطة العزلة والغموض.
يحاول الإعلام المؤدلج تصوير غياب الحوثي بأنه من مظاهر الهيبة، لكنه في الواقع غياب منظّم لإخفاء ضعفه وافتقاره إلى قدرة التواصل العفوي، والأهم أنه تأكيد لحالة الاستعلاء وتحقير الآخرين.
إن هذه القداسة الحوثية المصطنعة تتآكل تدريجيًّا، وهي مجرد وهم سياسي مغلف بالدين، وأن القيادة التي بُنيت على التقديس ستسقط عندما تنفجر فقاعة الخرافة التي تحيط بها.